يحاول حاكم ليبيا الاوحد خداع
الشعب الليبي والعالم مرة أخرى حين زعم أن قرار المحكمة الاسكتلندية الافراج عن
عبدالباسط المقرحي المدان بمسؤوليته عن اسقاط طائرة الركاب الامريكية فوق مدينة
لوكربي الاسكتلندية عام 1988 كان لأسباب انسانية بحتة.. رغم تساؤلات واسعة طرحها
ليبيون داخل البلاد وخارجها حول ملابسات القضية.. وأيضاً أثار القرار استنكار
الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة بشكل خاص. واعتبر القذافي المقرحي
بطلاً قومياً وأمر بتنظيم استقبال شعبي واسع له واستقبله بحفاوة الابطال وكأنه
يريد أن يبعث برسالة الى العالم الذي بات يصف نظام حكمه الممتد لأربعة عقود بأنه
أكثر الانظمة تقلباً ومراوغة وانعداماً للحريات.. رسالة تقول إنه انتصر على الجميع
وحقق ما يريد بأبخس ثمن.. وبالطبع هو يعني أن ثمن هذه المراوغة هو المقراحي الذي
لم يكن سوى كبش فداء كان مستعداً للتضحية من أجل زعيمه ومخططاته.. وقد فعل، وتناسى
ملايين الدولارات التي دفعها من المال العام تعويضات عن الحادث.
ويتضح للمتابعين للشأن
السياسي الليبي أن الافراج عن المقرحي كان نتيجة صفقة تجارية كبيرة تم الاتفاق
عليها بين القذافي والحكومة البريطانية. وكان سيف الإسلام القذافي، قد صرح ان قضية
المقرحي كانت حاضرة دائما خلال بحث العلاقات التجارية بين ليبيا وبريطانيا.
ونُقل عن سيف الاسلام القذافي
قوله " تم طرح قضية المقرحي عند بحث عقود النفط والغاز" مع الجانب
البريطاني. واشار الى ان هذه القضية أُثيرت في أكثر من مناسبة مع رئيس الوزراء
البريطاني السابق توني بلير. وفي هذا الصدد، اعتبرت الصحافة البريطانية أن أياً من
لندن وطرابلس وادنبره لم تكن رابحة من اطلاق سراح عبد الباسط المقرحي مشيرة الى
انه بات من الصعب الان معرفة الحقيقة بشأن اعتداء لوكربي الذي ادين من اجله
المقرحي.
وورد في صحيفة الاندبندنت "وحدهم
السذج يصدقون ان هذا القرار لم ينبع عن مصالح سياسية وعن درجة من المشاورات وحتى
التواطوء بين ادنبره ولندن". وأضافت "يجب ان يكون المرء ساذجا لكي لا
يشم رائحة الصفقة وراء ذلك"، اما صحيفة "فاينانشل تايمز" فاعتبرت
ان القصة لن تنتهي باطلاق سراح المقرحي حيث ان لندن وجدت في اطلاق سراحه "وسيلة
مناسبة للانسحاب من هذه القضية" والقائها على عاتق اسكتلندا وحدها. من جهة
اخرى، اعتبرت صحيفة "دايلي ميل" ان ليبيا اهانت بريطانيا قائلة "كان
اسهل جدا تسهيل عودة المقرحي الى ليبيا من مواجهة حقائق مزعجة، كاحتمال ان يكون
المقرحي بريئا". ووصفت صحيفة "ذي صن" استقبال المقرحي بحفاوة كبيرة
في طرابلس بانه "مشهد منفر ومشين ولكن لا مفر منه".
وأبدى ليبيون استغرابهم من
تصريحات المقرحي ومسؤولين ليبيين آخرين بأنه برئ من التهمة، وتساءلوا عن أسباب
قبول القذافي حينها دفع تعويضات لأسر ضحايا الطائرة بلغت ملايين الدولارات.. إذ لا
يعني ذلك سوى الاقرار بالذنب والمسؤولية.
ويعتقد العديد من الليبيين ان
قضية المقرحي لن تكون آخر الصفقات التي اعتاد النظام الحاكم في طرابلس الاتفاق
عليها في مسائل خلافية بين ليبيا و دول أخرى وغالبا ما تكون النتيجة هي لصالح
تعزيز وضمان بقاء العائلة الحاكمة على رأس السلطة واغماض العيون عما يجري داخل البلاد
من انتهاكات واسعة لحقوق الانسان ضد ذوي الرأي الآخر مقابل مكاسب تجارية يسيل لها
لعاب الطرف الآخر المستفيد والذي لا يأبه بما يقع من ظلم وتعسف واضطهاد على الشعب
الليبي.
وتحتل ليبيا المركز 160 من
أصل 173 بلد تُنتهك فيه حرية التعبير عن الرأي حيث ما يزال مصير العشرات من
الصحفيين مجهولاً لأنتقادهم نهج النظام الحاكم في طرابلس بشأن العديد من القضايا
الداخلية والخارجية.
ولم تؤثر التطورات الاخيرة
ذات الصلة باعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول غربية على مسار الحريات العامة في
البلاد رغم الضغوط الكبيرة التي تسعى منظمات حقوق الانسان فرضها على النظام الليبي
لتغيير نهجه السياسي داخلياً والكف عن ملاحقة واضطهاد وتصفية ذوي الرأي الاخر.
وفي قضية ذات صلة، اتهمت
نايجيريا حكومة القذافي باضطهاد المواطنين النايجيريين المقيمين في ليبيا وزج
العديد منهم في السجون واصدار احكام بالاعدام ضد العشرات منهم تحت مختلف الذرائع،
فيما أفادت تقارير من داخل البلاد ان المدانين كانت لهم صلات تجارية كبيرة مع متنفذين
من داخل الزمرة الحاكمة في طرابلس.
ولا ينسى الليبيون أحداث سجن
بو سليم سيء الصيت والتي وقعت في عام 1996 والتي أدت الى مصرع نحو 1200 من سجناء
الضمير والرأي الآخر. . دون ان يبادر النظام الحاكم الى التحري والاقتصاص من
الجناة.. وتؤكد هذه التقارير حالات تسليم جثث بعض المغدورين الى ذويهم وتعويضهم مبالغ
مالية.
ويشار أن منظمات حقوقية ليبية
ودولية تتهم النظام الحاكم بتصفية السجناء حيث ما يزال الغموض يلف تلك الحادثة رغم
مطالبة جهات دولية عديدة وعلي رأسها منظمة العفو والمنظمة العربية واللجنة العربية
لحقوق الانسان بضرورة فتح ملف القضية والتحقيق في حادثة التمرد التي حدثت داخل
سجــن بوسليم.
ويعتبر ملف مجزرة سجن بوسليم
من أهم الملفات الداخلية التي تواجه النظام الليبي، إذ أن حجم وفداحة الجريمة قد
يقودان - إذا ما توافرت ظروف سياسية محلية ودولية ملائمة - إلى انتقال هذا الملف
إلى جهات قضائية دولية وهو ما لا يرغبه النظام فى ليبيا ويعمل على تجنبه من خلال
مزيد من الصفقات التجارية المربحة مع الغرب، فيما يعتبر مراقبون أن هذه الجريمة
يمكن تصنيفها تحت بند ((إبادة جماعية)) أو ((جريمة ضد الإنسانية)) ويقترحون جمع
مزيد من الأدلة المادية والشهادات الشخصية لأثارتها قانونيا أمام المجتمع الدولي.
كما أن أية تسوية لهذه القضية
الانسانية تستلزم خطوات جدية من جانب السلطات لقفل هذا الملف نهائيا ووضع الضوابط
والإجراءات لضمان عدم تكرار هذه الجريمة البشعة، خصوصا في ضوء تسرب بعض الأنباء عن
قيام النظام الحاكم بعمليات تصفية لمعتقلين سياسيين آخرين تم اعتقالهم في فترات
تلت مجزرة سجن ابوسليم.
ويرى كثيرون ان القذافي
وعائلته باقون في الحكم لسنوات مقبلة بسبب حالة العجز والوهن التي تتصف بها قوى
المعارضة الوطنية من خلال اعتمادها شبه الكامل على قوى خارجية لأحداث تغيير سياسي
في البلاد دون أخذ المبادرة بنفسها وتعميق صلاتها بالمجتمع المدني وكسبه لصالح القضية
الوطنية الكبرى المتمثلة بقيام نظام سياسي جديد يؤسس لقواعد احترام حقوق الانسان
ويصون الحريات العامة من خلال نصوص دستورية واضحة يتفق عليها عموم الشعب الليبي.
ان المراقب لما يجري داخل
ليبيا يقف مشدوهاً أمام منهجية الانتهاكات التي يقترفها النظام الحاكم ضد النخب
المثقفة التي تطالب من خلال ما يُتاح لها من فرص التعبير بوقف مسلسل الخداع
والتقلّب في السياسات العامة بما لا يخدم قضايا البلاد الأساسية في الميادين
السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتصدي لجميع أشكال الاستغلال والهيمنة
الفكرية المتخلفة والتي تحول دون نضوج مجتمع قادر بنسائه ورجاله على مواجهة تحديات
العصر والتنمية والتحضر في ظل قوانين حضارية يتساوى أمامها الجميع دون تمييز ووضع
أسس للعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات. كما تطالب الهيئات والشخصيات
الاجتماعية في عموم البلاد بوضع حد لمعدلات البطالة المتنامية في بلد يمتلك هذا
الكم الهائل من مصادر الثروة والتي تُنفق في ميادين غير تنموية أو منتجة أو
استثمارية.
وتعلو أصوات الليبيين الذين
أحسوا بوجود عالم متطور متغير من حولهم مطالبين برفع كل القيود المفروضة على وسائل
الاتصالات والاعلام وذلك من أجل اللحاق بركب الحضارة والتنمية والتطور في جميع
ميادين العلوم والفنون والفكر وولوج عالم المعلوماتية والتقنيات دون رقيب. كما
يطالبون برفع القيود المفروضة على المرأة وحصرها في دائرة التخلف وحرمانها من حقها
في اختيار سبيلها في الحياة لكي تساهم سوية مع الرجل في بناء دولة عصرية متقدمة. وقد
يستدعي ذلك العمل الجدي والمنظم الشروع بنشر وعي شعبي والدفع باتجاه تشكيل حركة
اجتماعية عامة تساهم في التسريع في عملية التغيير دون تدخل خارجي وتجنب أي اعمال
عنف متطرفة لا تؤدي الاّ الى الحاق الضرر بالمواطنين وبالممتلكات العامة.
ان المرحلة الراهنة تتطلب
توحيد جهود كل القوى السياسية وحركات المجتمع المدني الرافضة للتعسف والتخلف
والحكم الفردي من أجل الانطلاق نحو عمل جماعي منتظم ذي أهداف واضحة يتفق عليها
عموم الشعب الليبي وفي مقدمتها الضغط على النظام الحاكم لكي يقبل بالتغيير السلمي
وبتداول السلطة وفق انتخابات شعبية حرة ونزيهة وفي ظل رقابة دولية حتى يتحقق للشعب
تقرير مصيره وطبيعة وشكل النظام السياسي دون أية تدخلات أو تأثيرات خارجية.
ولا يختلف ليبييان أزاء
الخطوة الاولى في هذا الطريق ..الذي لا مسلك غيره.. وهي تشكيل حكومة وطنية يحدد
صلاحياتها دستور يحمي البلاد ويصون حريتها واستقلالها وكرامتها ويحترم خيارات
الشعب ويوفر حياة حرة كريمة للجميع دون تمييز ويسخّر موارد البلاد لتحقيق رفاه
اقتصادي شامل ويجعل من ليبيا بلداً متحضراً يحتل مكانته اللائقة التي يستحقها
اقليميا ودولياً.
نشر بصحيفة ليبيا المستقبل ومواقع اخرى : 29/08/2009
* مديرة جمعية
التواصل في بريطانيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا بكم .. سررنا لوجودكم بيننا