الخميس، 7 يونيو 2012

- الأجهزة الامنية في ليبيا : دعوة للاصلاح



الأجهزة الأمنية في كل بلد تمثل العمود الفقري لحماية المواطن واستقراره وسلامته، وكذلك هي بالنسبة للوطن حيث تُشكل هذه الأجهزة الدرع الحصين لحماية الوطن من كل من يحاول أن يعكر صفوه واستقراره، اذن الأجهزة الامنية هي ليست الرديف للقمع والاضطهاد ومصادرة حرية الآخرين، وانما هي لخدمة المواطن ورعاية مصالح المجتمع والحفاظ علي مقدرات الناس وحرياتهم، وهذه هي من جملة المهمات السامية لأجهزة الأمن، مما يولد انطباعاً ايجابياً لدي المواطن عنها ويجعله يتفاعل معها، بل يكون الساعد الأيمن لها في الحفاظ علي أمن البلد وأمن المواطن، وحينما يري المواطن أن أجهزة الأمن هي فعلاً ساهرة لحمايته حينها لا يألو جهداً في مناصرتها والتعاون معها لأقصي حد ممكن لأن ذلك يصب في صالحه وصالح مجتمعه ووطنه، ياحبذا لو أن تغيراً جذرياً يشمل كل مرافق الأمن ويجعلها كما يريدها المواطن قريبة منه مخلصة له مدافعة عنه، هذه المعادلة وان كانت ليست بالأمر الهين ولكنها في الواقع تقلب مجريات الأمور بالاتجاه الصحيح، مما يدفع الوطن نحو مسيرة حضارية تعكس الوجه الحقيقي لمهمات الأجهزة الأمنية ويسلخ عنها ذلك التصور السلبي لدي المواطنين.

وهذا لا يتحقق الا من خلال آليات يجب أن تعتمد في بناء هذه الأجهزة الحساسة والخطيرة لعظم مهمتها، ومن هذه الآليات، الارتقاء النوعي برجل الأمن، وجعله بقدر المسؤولية المناطة به، فالتسلح بالثقافة والمعرفة والحنكة هو من اساسيات هذا المجال وكلما زادت ثقافة رجل الأمن كلما قلت الاصابات الخاطئة بحق المواطنين لأن رجل الأمن المثقف والذكي يستطيع الوصول الي هدفه (الأمني النبيل) بأقل خسائر ممكنه يسببها للوطن والمواطن.

وبما أن مهمة رجال الأمن لصيقة بحقوق الآخرين وحرياتهم، فالثقافة القانونية ومعرفة ما ورد في لوائح حقوق الانسان تمنحاهم المزيد من الحصانة والمناعة من التجاوز علي الحقوق وتجعل تعامل رجل الأمن مع الآخرين دقيقاً وحضارياً مع أية مشكلة أو قضية أمنية، فالاطلاع الواعي مثلاً علي الوثيقة الكبري لحقوق الانسان في ليبيا التي تضمن للمواطنين كافة حقوقهم المادية والمعنوية تؤهل رجل الأمن الي مهمته الحضارية والانسانية وتجعل من أدائه الوظيفي مبشراً بعصر الجماهير في بلادنا الحبيبة ليبيا.

هذا العصر الذي نبشر به يريد من رجال الأمن أن يكونوا في رسم القانون وليس ضده ومع القضاء وليس فوقه، ويكون تصرفهم بعيداً عن الأهواء والمزاجية ويجب ان لا يتصرفوا كأن ليس هناك من رادع ولا سلطان عليهم.

وتظهر أهمية التعامل الحضاري والانساني اكثر في التعامل مع المغتربين، والذين لهم خصوصية في التعامل، حيث أن هؤلاء المغتربين عاشوا ضمن ثقافات مختلفة وبين شعوب وحضارات متباينة. فأي خطأ مع هذا اللون من المواطنين المغتربين قد يتسبب لهم باحباط قاتل وعقد لا تجد لها حلاً الا بالرجوع ثانية الي المغتربات، والابتعاد عن الوطن الأم الذي لا يمكن الاستغناء عنه ولكن تبقي كرامة الانسان واحترام انسانيته فوق كل اعتبار، وبهذا نكون قد خسرنا الطاقات والكوادر العلمية التي نحن بأمس الحاجة اليها لبناء الوطن ودفع عجلة التقدم الي الأمام.

ولخطورة مهمة رجل الأمن كما اتضح لنا يجب أن يكون حظه من العلوم الانسانية كبيراً وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم السياسة والقانون ومعرفة (اللغة الجسدية) والحركات اللاشعورية التي تصدر من الانسان وبشكل لا ارادي وغير مدعومة بكلام وهذه الدرجة من المعرفة لا يمكن أن يحصل عليها رجل الأمن بسهولة، وانما تحتاج الي درجة عالية من الذكاء والخبرة المعرفية والفطنة لفهم ذلك. وكل هذا يساعده علي كشف الحقائق وتمييزها عن الأكاذيب ومعرفة الجناة من دون الاساءة الي الأبرياء وتحديد الأهداف المطلوبة بأقل الاضرار النفسية والمعنوية للمواطنين مع تجنب اشاعة الرعب والهلع بين الناس من خلال تصرفات لا مسؤولة وغير مدروسة والتي تشكل مادة سهلة ووسطاً جيداً للاشاعات السلبية ضد الدولة ومؤسساتها وخاصة الأمنية منها.

وكلما كانت تصرفات رجال الأمن حضارية وذكية كلما ساهموا باشاعة وافشاء الأمان والاطمئنان والشعور بالعزة والكرامة والفخر لكل مواطن في انتمائه لوطنه الغالي (ليبيا) علي مبدأ المشاركة في المواطنة وليس هناك من هو أفضل من غيره الا بالاخلاص للوطن والعمل علي تطويره وبنائه. حيث الجميع لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي يحددها وينص عليها القانون، سواء للمواطنين في داخل الوطن أو المواطنين المغتربين مهما طالت مدة اغترابهم وغيابهم عن الوطن وأن لا يجعلهم ذلك الغياب عرضة للشبهات والاتهامات من قبل أجهزة الأمن.

ومن المفترض أن رجال الأمن يتعاملون مع أي مواطن علي أنه بريء حتي تثبت ادانته، وليس العكس كما هو واقع الحال في ليبيا، أن المواطن متهم حتي تثبت براءته. حيث انقلبت كلمة الأمن في ليبيا والتي تعني السلامة والاستقرار وحفظ الحقوق الي ضدها في جماهيريتنا العظمي. ومن المؤسف والمؤلم في أن يتحول رجل الأمن من مهمته الانسانية لحفظ المواطن وأمنه الي أداة لقمع المواطن والتجسس عليه وليس لستره وحفظ أسراره وخصوصياته التي اصبحت مستباحة ومستغلة وموضع ريبة وشك من قبل الأجهزة القمعية.

وللحقيقة نقول ان رجال الأمن الليبيين نجحوا في علاقاتهم الخارجية بمستوي رفيع من الحكمة والذكاء والشفافية والاحترام، الأمر الذي أدي الي تحقيق تقدم ملموس علي الصعيد الخارجي، والغريب أن التعامل علي الصعيد الداخلي مع المواطنين الليبيين نجده يختلف بدرجة كبيرة مع ما تحقق علي المستوي الخارجي، حيث ما زال التعامل مع المواطنين الليبيين في الداخل وخصوصاً القادمين من المغترب الي الوطن بصلف وقسوة وانتهاك صارخ لابسط الحقوق دون مراعاة لأبسط المشاعر والمبادئ الأخلاقية، حيث لا يميزون في قسوتهم وشدتهم بين رجل وامرأة وبين شاب وشابة أو بين الصغـــــير والمسن العجوز، ناهيك عن خصوصية تعاملهم مع المرأة الليبية بشكل لا يتناسب مع اعرافنا وتقاليدنا في مجتمع محافظ كالمجتمع الليبي، حيث تسمع المرأة الليبية منهم كلمات نابية وتصرفات لا تنم عن أخلاق في مجتمع يتحسـس بدرجة عالية من كل تعامل يلامس قضايا شرف المرأة وما يخدش حياءَها، وهذا يشكل عقبة في طريق كل من يحاول العودة الي الوطن والخروج منه بحرية وتلقائية مما يترتب عليه خسائر في الطاقات والكفاءات التي تريد العودة الي وطنها.

من حقنا أن نتساءل لماذا كل هذه التصرفات الخاطئة والجافة ازاء المواطنين الليبيين وأي قانون أجاز لهم ذلك!! وكأن رجال الأمن من خلال تصرفاتهم هذه، هم فقط الذين لهم الحق في مساءلة الآخرين وليس لأحد أي حق في مساءلتهم أو محاسبتهم وكأن الوطن ومن فيه يشكل ملكاً خالصاً لهم وعلي المواطنين أن يتبعوهم كالعبيد.

والمحيّر في الأمر هذا الغموض الذي يلف الأجهزة الأمنية المختلفة دون أن يعرف المواطن الجهة التي يمكن أن يتقدم اليها بشكواه أو يستوضح أو يسترد حقوقه منها اذا ما وقع عليه أي حيف أو ضيم أو انتهاك من قبل الأجهزة القمعية.

ومن المعلوم أن هناك جمعية حقوق الانسان في ليبيا والتي قامت بخطوات ايجابية وعملية لا بأس بها من أجل نشر ثقافة حقوق الانسان وتوعيته بهذا الاتجاه ولكن من المحبط أن دورها ما زال محدوداً جداً، ولا زالت تتجاهل الكثير من الشكاوي والتظلمات التي تصلها من كثير من المواطنين.

ولأجل معالجة مثل هذه الخروقات يتوجب السماح بوجود العديد من الجمعيات ومؤسسات ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان حتي تكون مصدر سند وحماية لأي مواطن تنتهك حقوقه خاصة من قبل الأجهزة الأمنية القمعية.

نأمل مراجعة فلسفة ومنهجية الأجهزة الأمنية وذلك بالتخلص من مبدأ الثنائية والضدية في منهج تشكيل الفكر الأمني الليبي وصيرورته والتي جعلت من هذه الأجهزة وكأنها تقف في الضد من الآخر باعتبار أن الآخر يشكل خرقاً للأمن، هذا التوجه الضدي والاثنيني يدمر المهمة الانسانية والوطنية للأجهزة الأمنية لذلك يتوجب علي المسؤولين عن هذه الأجهزة استبعاد فكرة الضد ازاء الآخرين، وعلماً أن التوجه ضمن (الثنائية الضدية) يمتاز بأنه منهج افقاري ومانوي، حيث نجعل من الأمن مقابلا للفوضي والخيانة في حين أن واقع الأمر ليس كذلك، حيث هناك أكثر من مساحة خيره بين قوي الأمن والمواطن فلا نحاول اختزال تلك المساحات ببعد ضدي ثنائي ينتج بنفس الوقت توجهاً مانوياً يشطر الناس الي شطرين (اما معنا) أو (علينا) نحن الأمن وغيرنا الانفلات والتسيب، نحن الخير والآخر يمثل الشر، هكذا منهج يلحق الضرر بالأجهزة الأمنية ووظائفها وبالمواطنين ومشاعرهم وأحاسيسهم الوطنية.

وهذا التوجه الواعي للأجهزة الأمنية لا يتم بغياب الثقافة الحقيقية والبعد المعرفي لهم في مجالات كثيرة ذات علاقة بعملهم الوطني والانساني، حتي يستطيعوا أن يرتقوا الي مستوي المهنة التي يفترض فيها انها انسانية ووطنية وما وجدت الا لخدمة المواطنين وحمايتهم، ونضيف الي ما ذكرناه من أجل الارتقاء بهذه المهنة (الأمنية) انه يجب ابعاد كل العناصر النفعية والانتهازية والجاهلة والتسلطية التي لا تمتلك الا العقلية المتخلفة المتحجرة وكأنها تعيش في عصور ما قبل الحضارة والتمدن. ولأجل أن نضع أرجلنا علي أول الطريق للتصحيح لا بد من محاسبة كل من مارس وتسبب بالافساد والظلم والاعتداء علي حقوق وحريات المواطنين، وعدم التسامح والتساهل مع أية قضية فيها مخالفة للقانون وشكلت مظلمة أو أذي للمواطنين والمواطنات؛ لأن التساهل في مثل هذه الأمور يحجم من دور القانون ويكرس الاعتداء علي حقوق الغير وحرياتهم التي تعني وجودهم، حيث لا وجود للانسان من دون حرية.

ولا يمكن أن يتم الاصلاح الا من خلال دعم ومتابعة المسؤولين المعنيين بالأمر، والتصدي من قبلهم وبشكل مباشر لكل مظاهر الفساد والظلم التي تمارس من قبل العاملين في اجهزتهم، وهذه الخطوة تشكل محوراً مهماً في عملية الاصلاح الشاملة والتي من خلالها يشعر كل مواطن بأنه شريك حقيقي في الوطن، عليه واجبات وله حقوق نصت عليها الوثيقة الكبري لحقوق الانسان، وهذا ما يشجع ويدفع المواطن للمشاركة الايجابية والفعلية لبناء وتنمية وطنه الأم ليبيا.
نشر بصحيفة ليبيا المستقبل وماقع اخرى : 10/05/2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا بكم .. سررنا لوجودكم بيننا